القاضي عبد الجبار الهمذاني
4
متشابه القرآن
من واحد وتعذر على من هو بمثل حاله فلا بد من أن يختص بأمر له صح الفعل منه ، وهذه الجملة لا تتعلق بالاختيار ، فلذلك يصح أن يستدل بالحوادث التي لا يجوز أن تحدث من الأجسام على اللّه تعالى وعلى أنه قادر عالم ، وليس كذلك حال القرآن . يبين أيضا ما ذكرناه أنه لا شبهة في أن فعل النبي صلّى اللّه عليه وسلم قبل ظهور المعجز يدل على أنه قادر عالم ، ولم يجب أن يدل كلامه على الأحكام - على هذا الحد - بل احتيج إلى ظهور المعجز ومعرفة حال المرسل وحكمته ، وكذلك القول فيما قدمناه . فإن قال : إن كان الأمر كما ذكرتم فيجب أن تكون الأخبار الواردة في القرآن ، الدالة على اللّه عز وجل وعلى حكمته ، عبثا لا فائدة فيها ؛ لأن الاستدلال بها لا يمكن ، ويجب أن يعرف عز وجل بتوحيده وعدله أولا ، ثم يعلم صحتها ! قيل له : إنه عز وجل إنما خاطب بذلك ليبعث السائل على النظر والاستدلال ؛ بما ركب في العقول من الأدلة . أو لأنه علم أن المكلف عند سماعه والفكر فيه يكون أقرب إلى الاستدلال عليه ، منه لو لم يسمع ذلك ، فهذه الفائدة تخرج الخطاب من حد العبث . يبين ذلك أن الداعي منا إلى اللّه عز وجل متى قصد إلى جاهل به فدعاه وعرّفه طريقة معرفته ومعرفة توحيده وعدله ، لا يجوز أن يعد عابثا في دعائه ، وان لم يصح من المدعو أن يعرفه جل وعز بنفس دعائه دون أن ينظر ويتدبر ، فكذلك القول في كلامه عز وجل ، سيما ومن اعتقد في القرآن ، قبل أن يعرف اللّه ، أنه كلامه عز وجل على جهة التقليد ، وأنه تعالى لا يجوز أن يكذب ، كان